|
الأمة الغائبة!!
المعلم قدوة قبل أن يكون ناقل معرفة
عبد القادر
دهمان
/ الاسرة
والتنمية
مدرب التنمية الذاتية
والتحليل الشخصي
دخل غُرفة المدرسين فرحاً سعيداً !! ألقى السلام ( الذي
أصبح شعاراً لا غير) فرد عليه الجميع بهمهمة أو تمتمة لم
ترق إلى (فحيوا بأحسن منها أو ردوها)،لم يكترث لهم صاحبنا
فجلس على أقرب مقعد (مهترئ) وفتح حقيبته وأخرج ( الكتاب
)!!.. وهنا انفجرت في وجهه التساؤلات اليومية : ( يا أخي
ألا تمل القراءة ؟! .. أُف!! سيبويه ظهر على الشاشة !!يا
محترم سوف تجنّ يوماً ) ابتسم صاحبنا في هدوء، وتابع
قراءته الشائقة بنهم .
هذا موقف، وهناك أمثاله العشرات، فهذا يزجرك في اجتماع
وذاك يتأفف منك في حافلة وثالث في حفل مزعج !! عجيب وحق
لنا العجب أن يستنكر
«مسلم» عليك القراءة !! والأدهى والأمر والطامةالكبرى أن يكون المستنكر
المتذمر (مدرس )!!. عجباً لأمة ( اقرأ ) أن تستدبر وتُدين
القراءة ونبيها عليه الصلاة والسلام وصلت أحاديثه المشرق
والمغرب في المسانيد والصحاح والمعاجم!! المفارقة المذهلة
أن نبيها محمد عليه الصلاة والسلام رد على أستاذه ( ما أنا
بقارئ !! ) بمعنى لا أعرف القراءة، وأمتهُ -وخاصة ورثته
معلمي هذه الأيام- كلما قلت لأحدهم ناصحاً ( اقرأ ) رد
عليك بكل صلافة : ( ما أنا قارئ !! ) بمعنى لن أقرأ!!
نبيها محمد عليه الصلاة والسلام بعد ذلك الموقف التعليمي
المهم في غار حراء أيقن أن المعلم لابد أن يكون ( موسوعة )
من العلم، فهو سيأتي بكل جديد، وتلك لعمري بضاعته الرابحة
( العلم ) فأقبل صلى الله عليه وسلم بشغف كتلميذ نجيب يردد
ويحفظ ويسرع حتى أتته الإشارة الحمراء ( لا تحرك به لسانك
لتعجل به ، إن علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع
قرآنه ) فتوجس عليه الصلاة والسلام خيفة في نفسه : كيف
سأحفظ كل ذلك ولا أذهل عنه وأنساه؟!، فأتاه الدواء الناجع
( سنقرئك فلا تنس ) نعم .. اقرأ، ثم اقرأ، ثم اقرأ، ولن
تنسى والضمان أن الله يبشرك ويهديك ( ونيسرك لليسرى ) .
دين رائع ورسالة مذهلة ثابتة معجزة سلبت لب محمدٍٍ عليه
الصلاة والسلام حتى استولت على مشاعره وكيانه وهمه فيريد
هنا مزيداً..!! لا المال أو الجاه أو السلطان .. بل ( وقل
رب زدني علماً!!) .
ألا فليتأمل كل عازف عن القراءة عامة -والمدرس خاصة- ما
سلف ثم ليتأمل جيداً مكانة القراءة عند صنفين من الأمم (
الأمريكان ) و ( اليابان )، فأما الأمريكان فقد اجتمع في
واشنطن عام 1951م الكتاب والناشرون وأمناء المكتبات وأقسام
الثقافة والإرشاد، وكان الذي يعنيهم ويسيطر على تفكيرهم أن
يجيبوا عن هذا السؤال ( لقد أصبحت القراءة في العصر الحديث
أمراً حيوياً لا يستطيع مجتمع أن يحيا بدونه ، أصبحت حاجة
ولم تعد ترفا!!ً فما الذي يمكن أن نفعله لنشجع الناس على
القراءة ونرغبهم بالاستزادة منها؟!) .
وأما اليابان فيكفي أن تعرف أن اليابانيين أكثر شعوب
العالم قراءة للصحف، ويكفي لتستدل على ذلك أن تعرف أن
صحيفة (يوميوري) تبيع يوميا (عشرة ملايين نسخة )، وهذا
رصيد صحيفة فما بالك ببقية الصحف، ناهيك عن الكتب والنشرات
والمجلات .
وعليه .. نقول : أما آن لنا أن نجعل للقراءة الجادة
المثمرة مكاناً في جداولنا اليومّية ، لا فضول أوقاتنا أو
أيام العطل والمناسبات، ولكن كوجبة يومية للعقل لا ينبغي
إغفالها أو إهمالها .
مهلاً: دعوني أبشر كل عازف عن القراءة أنه سيقرأ رغماً
عن أنفه يوم يقال له ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك
حسيباً ) وعندها إما أن يقول فرحاً ( هاؤم اقرؤوا كتابيَّ
) أو - عياذاً بالله – يصرخ : ( يا ليتني لم أوت كتابيَّ
)
*
وقفة :
هناك فارق كبير بين من يريد أن يقرأ .. ومن يريد كتاباً
للقراءة !!
التعليم ..ذاك السر الكبير وراء قيام الحضارات والأمم.
وكأنه يتذكر الأمر السماوي الثاني ( قُم ) بعد الأول (
اقرأ )!! استهل أمير الشعراء قصيدته العصماء ذائعة الصيت –
على الرغم من أن العمل بتوجيهاتها التربوية الرائعة
ولفتاتها الاجتماعية الذكية لم تنل ذاك الصيت نفسه !! –
كوننا أمة تعودت بل استمرأت التنظير والتشكي ولعن الظلام
وخفافيش النهار ؛ أكثر من التخطيط والعمل الجاد المثمر
–لكن أمير الشعراء- يرحمه الله - لم يعاين المهنة عن قرب
ولم يقف 6 حصص يومياً ويتصدر ل100 قابلة للزيادة والنمو
والتكاثر من التلاميذ في الفصل الدراسي الواحد!!.. فأطلقها
منتشياً بها فخوراً ممتناً لمعلمه :
قم للمعلم وفِّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون
رسولا
أرأيت أشرف أو أجل ممن
يبني وينشئ أنفساً
وعقولا
وكسورة ( براءة ) وبلا مقدمات وتمسحات بالمنجزات المزعومة
والشنشنة الإعلامية المستمرة دمدمت قصيدة ( إبراهيم طوقان
) تلك ال( قم )!! بكل وضوح وقوة، من مختص عاين الأمرين في
مهنته و( محنته!! ) صارخاً في حروف شوقي:
شوقي يقول – وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفه
التبجيلا
اقعد فديتك هل يكون مبجلا
من كان للنشء الصغار خليلا؟
ويكاد ( يقلقني ) الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون
رسولا
لو جرب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا
حسب المعلم غمة وكآبة
مرأى (الدفاتر) بكرة وأصيلا
لا تعجبوا إن صحت يوما صيحة
ووقعت ما بين البنوكِ قتيلا
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش
طويلا
البنوك ( هي الكراسي ).
ترتعش أناملي وترتجف أوصالي فزعاً وأنا أسطر هذه الكلمات
وتطيش العبارات من قاموسي وأنا أحاول جمع شتات الماضي
الجميل والذي ما نسيته قط – علِم الله - كوني من القلائل
الذين يعيشون على أطلال الماضي – وبغض النظر هل هذه صفة
مدح أم ذم - لكن القصد أنني أذكرها بتفاصيلها – تلك
الذكريات - فكل صورة وكل صوت وكل كلمة وكل ضحكة وكل عبرة
تذكرني بأولئك العظماء ( المعلمون الأوائل ) وتلاميذهم
النوابغ، الأئمة الكبار منارات الدنيا وسراجها المتلألئ..
فأقول ونفسي تتحسر:
لا يعرف الوجد إلا من
يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها
أواه.. ما أدري ؟ .. هل كان لدى ابن تيمية (معامل ) أو (
وسائل سمعية كانت أو بصرية) أو(حاسوبمحمول
وجهاز عرض شرائح ) لينجب لنا أمثال ( ابن القيم والذهبي
.... ) ويأتي بعده تلميذه الفذ ( ابن القيم ) لينجب ( ابن
كثير وابن رجب الحنبلي) وأمثالهم الكثير الكثير ( الأئمة
الأربعة وابن عقيل والماوردي وابن الجوزي وابن حزم وابن
حجر وابن قدامة ... وماكان على وزن ( ابن أو أبو ) رغم
الحياة البسيطة والبسيطة جداً جداً لأبعد الحدود ولم
يشتكوا من قلة ذات اليد أو عدم وجود الوسائل التعليمية أو
كثرة الطلبة أو مضايقة القاصي والداني.. بل إن بعضهم كان
يعطي دروسه من باطن الأرض في سجن السلطان كالإمام (
السرخسي ) والآخر من وراء القضبان (كابن تيمية وغيره
الكثير -خاصة في هذا الزمان – زمن السلام والاستسلام!!) ،
ولم يكن معهم سوى الكاغد والدواة والقلم !! فلله درهم !!
فبالأمل والإصرار والإرادة ننتصر .. وأرددها .. وعليها
أُصر!!
المشكلة : أين متعة التعليم ؟! ولماذا لا يكون التعليم ..
متعة ؟!
تأملوا معي هذه المظاهر:
1-عزوف كثير من الشباب عن المدرسة أو التسرب الدراسي أو
التأخر الدراسي !!
2-الفجوة الواسعة بين المعلم والطالب ، بين الطالب والمنهج
، بين المعلم والمنهج ، بين المدرسة وبين المجتمع !!
3-البطالة ..وهي من مرادفات( البطولة الزائفة وليراجع
للاستزادة قناة روتانا سينما...مش حتقدر تغمض عِنيك!! ) .
4-الفساد الأخلاقي والوظيفي المخيف في الشركات والمؤسسات
والمشافي وسائر القطاع الخاص والعام وما بينهما !! ..
وأستأذن الأمير مرة ثانية ليسعفني ببيته ( الخلقي ) الرائع
:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
فأقم عليهم مأتماً
وعويلا
5-التباين الكبير بين مخرجات التعليم ومتطلبات (سوق
القات!! ) آسف.. أقصد ( سوق العمل ).. مما أدى إلى سوء
العمل!!..( رشاوى.. اختلاسات.. فضائح مالية .. ) .
-وهنا دعونا نهمس في آذان المعلمين..ونتساءل : أو لستم
صناع الأجيال ؟!
دعونا في بداية الحديث نتفق على القاعدة المشهورة عند
العرب ( اتفق العرب على ألا يتفقوا !!) . لذا أنا على ثقة
أن هذا لن يناسب عقليات قد ( يئست وتحجرت ) بسبب ركام
الانهزامية المعاصرة .
التعليم رسالة خطيرة ومهمة نبيلة تحولت في عصرنا الحاضر
إلى تجارة رابحة ومعمل تعبئة ومقابر جماعية للعقليات الحرة
والمواهب الفذة .. برغم أن قانون العالم الجديد في ظل
العولمة يقول من يعلم ( يستعبد ) و ( يستبعد ) من لا
يعلم . ففي عصرنا الحاضر أصبح شعار القوة الجديد البقاء (
للأعلم ) إذ أنه قد مضى زمن التباهي بالسلاح والعضلات
والإرهاب!!نحن يا قوم في زمن قوة الفكر وثورةالمعلومات
واستعمار التكنولوجيا ..
وهنا يطرأ سؤال يطرح نفسه ( ولم يجد من يرفعه من طرحته
تلك حتى الآن!!) : مادور المدرسة ؟!، و الإجابة محط خلاف
واسع بين أصحاب ( الضمائر ) وأصحاب ( العمائر!! )
وأصحاب (العمائم!! ) ويسانده بلا شك سؤال أخطر من سابقه:
ما دور المعلم ؟ ويتلوه ثالث : ما أقصى ما نرجوه من الطالب
بعد التخرج ؟ فنقول: إن المدرسة في صورتها الحالية
المعاصرة لا تمنح السلوك والخلق والمبادئ.. بل تقدم الجانب
العلمي التنظيري غير الواقعي فقط!! مما يعني اختفاء أهم
أدوار المدرسة وأخطرها ( التنشئة الأخلاقية التربوية )
أولاً، و إعداد الطلاب لمواجهة الحياة بقوة ومهارة وخبرة و
( سوق العمل ) ثانياً .
ولعل هذا التدهور الخطير يرجع إلى الآلية التي يتم بها
تنفيذ التعاميم واللوائح التي تنهال على المربي كأنها
حجارة من سجيل، وإغفال جو من الحرية في التعبير عن الرأي
المخالف مع احترام وجهة النظر السليمة دون النظر إلى
صاحبها وتقييمه .. أضف إلى ذلك التقيد بالقديم حتى أصبحت
المدرسة بلا روح ودون وعي للأهداف التي صممت لها أصلاً
وهنا غاب دور ( التوجيه التربوي المثمر والمؤثر ) وأصبح
المعلم محاطاً بالحصص الكثيرة ومقيداً بالمنهج والمقرر
الذي لا بد من إنجازه وإلا لعرض نفسه لمسؤولية كبيرة..
ولكن يا عقلاء!! ( المدرس بالأثر الذي يتركه لا بالمعومات
التي يرددها ).. فالمدرس قدوة قبل أن يكون ( ناقل معرفة)
يردد المعلومة دون هدف تربوي.. ولله در الشاعر حين قال
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة جاءت على يده البصائر حولا!!
ألم تسألوا أنفسكم ماسبب هذا الانحراف المهني والسلوكي في
بعض الوزارات والشركات والانجراف وراء المادة ( لكن ليست
الدراسية ) بل المادة الصادرة عن البنك المركزي ؟
إنه بلا شك ( الفقر )!! لكن ليس فقر الجيوب فقط بل ( فقر
التربية الوجدانية والروحية العملية ) لدى أولئك الموظفين
– الطلاب سابقا -ً وهنا أصرخ بأعلى حروفي العربية الفصحى
لزميل المهنة : (المدرس الذي لا يصل إلى قلوب طلابه
ومشاعرهم؛ لا يصنع جيلاً يتحدى عوائق المستقبل ) وقبل أن
تجبرهم على فتح الأيدي تسلل بلطف إلى قلوبهم وحينها لن
تحتاج لأيديهم .. وقد قيل قديماً : تستطيع أن تجبر الحصان
على الذهاب بالقوة إلى النهر ولكن لا تستطيع أن تجبره على
الشرب !!.
أيها المعلم : هل وصولك إلى مرحلة ( التفريغ ) يعفيك من
مرحلة ( التوجيه ) ؟ ياقوم !! نحن أمة لها تاريخ وذات
هدف وصاحبة رسالة.. أما الغرب المتحضر فلإفلاسهم من هذه
المعاني لا يجدون ما يثبتون به وجودهم إلا في التفوق
المادي فأين ( التفوق الروحي ) ؟ فرق كبير بين من يعلم
ومن يلقن ؟.. بين من يربي وبين من يردد ؟ .. بين من يشارك
في ( صناعة المستقبل ) وبين من ينوح على ( ركام الماضي ) ؟
.. باختصار بين من جعل التعليم ( رسالة ) و (مهمة ) وبين
من جعلها ( مهنة ) فحلولها بسلوكه بعد مدة إلى .. ( محنة )
.
تذكروا ياقادة الدنيا ( أيها المعلمون ) أن في أيديكم
الكثير الكثير لتقدموه ؛ فهل أنتم فاعلون ؟ قل عساه يكون
قريباً..
يتبع....
|